الأمير أسامة بن منقذ
مقدمة 21
لباب الآداب
وإن مشيت وفي كفّي العصا ثقلت * رجلي كأنّي أخوض الوحل في الجلد فقل لمن يتمنّى طول مدّته * هذى عواقب طول العمر والمدد » ( الاعتبار ص 163 - 164 ) « 1 » ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية ، بل كان يحضر له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته ، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبى الحسن علي بن سالم السنبسي في سنة 499 كما في تاريخ الاسلام للذهبي « 2 » ، وقد روى عنه حديثا في أول ( لباب الآداب ص 1 ) . وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو عبد اللّه محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة 503 « 3 » وقرأ علم النحو قريبا من عشر سنين على الشيخ العالم أبى عبد اللّه الطّليطلي النحوي ، وكان في النحو سيبويه زمانه . « 4 » والتوسع في علم النحو هذه السنين الطويلة يستدعي كثرة الاطلاع على الشعر القديم ، وعلى غريب القرآن وتفسيره ، وعلى علوم البلاغة وما يتبعها . وكان الأمراء بنو منقذ ممن يقصدهم الأدباء والشعراء ، يمدحونهم ويسترفدونهم ، وكانوا هم أيضا علماء شعراء ، فاقتبس أسامة من هذا المجتمع الأدبي الذي نشأ فيه أدبا جمّا ، وعلما واسعا ، وحفظ كثيرا من الشعر القديم ، فقد نقل الحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام عن الحافظ أبي سعد السمعاني قال : « قال لي أبو المظفر - يعنى أسامة - أحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من شعر الجاهلية » « 5 » . وصار
--> ( 1 ) الأبيات أيضا في الروضتين ( 1 : 114 ) ( 2 ) مخطوط بدار الكتب المصرية ( 3 ) الاعتبار ( ص 85 ) ولباب الآداب ( ص 101 و 190 ) ( 4 ) الاعتبار ( ص 208 ) ( 5 ) ينشر الأستاذ ( فيليب حتى ) سحابة من الشك على هذه الرواية في ترجمته للمؤلف ، ويقول « الراجح أنه لم يتصل بجيل أسامة هذا المقدار من الأبيات » وأظنه لو اطلع اطلاعا واسعا على ما بين أيدينا الآن من الشعر المنسوب لشعراء الجاهلية ، ونظر إلى ما فقد من كتب الاسلام ، وآثار العلماء والحفاظ ، في الحروب الصليبية ، وفي هجوم التتر على البلاد الاسلامية ، ثم في الفتن والأحداث ، ثم ما أخذته أوروبا من الكتب - بعد أن خرجت باحتكاكها بالمسلمين من ظلمات لجهالة إلى نور العلم - إما بالشراء وإما اختلاسا وانتهابا - : لو نظر إلى هذا كله لم يكن لديه أي شك في أن الشعر الجاهلي كان أكثر مما حفظ أسامة .